دائرة الطباشير القوقازية: ملحمة العدالة والرحمة
تُعد مسرحية "دائرة الطباشير القوقازية" (Der kaukasische Kreidekreis) للمؤلف الألماني برتولت بريخت، واحدة من أهم وأشهر أعماله المسرحية. كُتبت المسرحية في الفترة ما بين عامي 1944 و 1945 أثناء إقامة بريخت في الولايات المتحدة الأمريكية، وعُرضت للمرة الأولى في عام 1948 في مدينة كارلتون بكولومبيا بولاية مينيسوتا.
قصة المسرحية: صراع على الأمومة والعدالة
تدور أحداث المسرحية في منطقة القوقاز خلال فترة الحرب العالمية الثانية، حيث تتنازع مجموعتان من الفلاحين على ملكية وادي زراعي. لحل النزاع، يقترح المغني أركادي تسيلوفيتش تقديم مسرحية تحكي قصة مشابهة، وهي قصة "دائرة الطباشير القوقازية".
تتمركز القصة داخل المسرحية حول جروشة، وهي خادمة شابة تنقذ طفلاً رضيعًا متروكًا بعد أن تخلت عنه والدته الحقيقية، الحاكمة الثرية ناتيلا عبدزيه. تهرب جروشة بالطفل ميشيل وتعتني به وتواجه صعوبات جمة في سبيل حمايته وتربيته خلال فترة الحرب والفوضى. بعد سنوات، تعود ناتيلا للمطالبة بابنها، ويُعرض الأمر على القاضي أزداك، وهو شخصية غريبة الأطوار وغير تقليدية، ليحكم بينهما.
يقرر أزداك استخدام "دائرة الطباشير" لاختبار الأمومة الحقيقية. يرسم دائرة على الأرض ويطلب من المرأتين سحب الطفل من داخل الدائرة. من تستطيع سحب الطفل دون أن تؤذيه تعتبر هي الأم الحقيقية. تفشل ناتيلا في الاختبار لأنها تخشى إيذاء الطفل، بينما ترفض جروشة سحب الطفل بقوة خوفًا عليه. يحكم أزداك لصالح جروشة، معتبرًا أنها الأم الحقيقية لأنها أظهرت حبًا حقيقيًا واهتمامًا بسلامة الطفل.
تاريخ العرض وأهميته
بعد عرضها الأول في عام 1948، اكتسبت "دائرة الطباشير القوقازية" شهرة عالمية واسعة، وأصبحت من كلاسيكيات المسرح الحديث. تُرجمت المسرحية إلى العديد من اللغات وعُرضت في مختلف أنحاء العالم، ولا تزال تُعرض حتى اليوم. تتميز المسرحية بأسلوبها الملحمي الذي يجمع بين الدراما والغناء والرقص، وتطرح قضايا اجتماعية وسياسية هامة مثل العدالة، والرحمة، والأمومة، والصراع الطبقي.
تعتبر "دائرة الطباشير القوقازية" مثالًا بارزًا على مسرح بريخت الملحمي، الذي يهدف إلى إثارة تفكير الجمهور وتشجيعه على التفكير النقدي في القضايا المطروحة. تستخدم المسرحية تقنيات مثل كسر الجدار الرابع، والتعليق على الأحداث، والأغاني، لخلق مسافة بين الجمهور والأحداث، مما يسمح للجمهور بالتفكير بشكل موضوعي في القضايا المطروحة.
تظل "دائرة الطباشير القوقازية" مسرحية ذات صلة بواقعنا المعاصر، حيث تطرح قضايا لا تزال تشغل بالنا حتى اليوم، مثل العدالة الاجتماعية، وحقوق الإنسان، وأهمية الرحمة والإنسانية في عالم يسوده الصراع والظلم.